«هناك مَن سيقرأَ هذه الخواطرُ يوماً؛ لذا.. لن ٵُسجلَ حرفاً واحداً من ذلك السِّرُّ الرهيبُ.»

الاثنين، 1 مايو 2006

﴿  ٥١  

في ڪُلِّ مرَّةٍ و ٵنا في طريقي إلــے العملِ ٵطرحُ سؤالاً علــے نفسي:
لمَ ٵنا هنا ؟ و لماذا ٵختارت لي أيامي هذا العمل ؟
ٵُفڪرُ دائماً ڪيف لي ٵن اڪسر قيود الروتين، فظروف عملي و طِبَاع رؤسائه، ڪلاهما ڪان من الوزن الثقيل. هذا ما ڪنتُ ٵُفڪّر بهِ. ٵما الأنَّ فسأقصُ عليڪم ما حدث لي بسرعةِ، فلا ٵُريد ٵن يطول حديثي معڪم، و ٵيضاً ارغب بأجابة سؤالٍ، سوف ٵسألڪم إياه في النهاية.. و ما حدث هو:
ذات يومٍ و فيما ٵنا ذاهبٌ إلــے هناك «العمل»، رأيت شخصاً طويل القامة، ٵنيق الشَڪلِ. ڪُنتُ اَلمَحَهُ يُرَافقُني منذُ بدايةُ الطريقِ. في البدايةِ.. لم ٵعِرهُ ٵيٍّ ٵهميةٍ. تابعتُ مُسرعا حتى ٵصلُ باڪراً، جلستُ علــے المڪتبِ، و طلبتُ قهوتي الإعتيادية، و إذا و من خلفي يأتي صوتٌ غريبٌ قائلاً: فنجانانِ من فضلك. إستغربتُ من هذا الصوت، ٵلتفتُ فرأيتُ نفسُ الشخص الطويلُ.
- مَن ٵنتَ، رأيتكَ تُرافقني صباحاً إلــے العملِ و ها ٵنا ٵراكَ داخل العمل، ماذا تُريدُ ؟
- لا ٵرُيدُ شيئاً منكَ، و لڪنني سأُحققُ لكَ شيئاً دائماً ما تطلُبهُ.
- ٵني لا ٵطُلبُ شيئاً.
- بَلَى، ٵنتَ دائما تُفڪرُ ڪيفَ يمُڪنُ ٵن تُصبحُ مُديراً لهذا العمل. و ٵنا هو حلمكَ الذي سيحققُ لكَ ذلكَ و واجبي مُرافقتكَ حتى تُصيبَ هدفكَ.
- إذا ڪُنتُ حِلماً، ڪيفَ تتجسدُ و تُصبِحُ إنساناً.
- هواجسكَ و رغبتكَ الشديدةُ هى التي ٵيقظتني و ٵوجدتني.
من هذه اللحظة و هو معي في ڪُلِّ مڪانٍ، في بيتي، عملي، نُزهتي و في ٵفراحي و ٵحزاني. ڪنتُ ٵتبادل الحديث معه تَارِةٍ، و في ڪُلِ مَرَّةٍ ڪان يُذڪرني ٵنه مجرد حلمٍ، حلمٍ سيغادر يوماً. و بالفعل ذات صباحٍ مُشرقٍ.. ٵذڪرُ. ٵستيقظتُ دون ٵن ٵجِدُ صديقي الثقيلُ. بحثتُ عنهُ في ڪُلِ المنزل، فما من ٵثرٍ. للحظةٍ شعرتُ بالسرورِ، لأنني ٵخيراً تخلصتُ منه. ٵرتديتُ ثيابي و توجهتُ إلــے العملِ و ما ٵن رأني زملائي هناك، حتى ٵخذوا يبتسمونَ لي و يقولون لي «ألف مبروك»، «مبروك المنصب الجديد». عرفتُ فيما بعد ٵنَّ رئيسُ الشرڪةِ قد ٵطاح بالمديرِ السابق و نَصَبَني ٵنا مديراً جديداً، لم ٵتمالكُ نفسي. في البدايةِ ڪانت فرحتي لا تجاريها فرحةِ. عرفتُ لحظتها لماذا فارقني ذلك الأنيقُ. فالحِلمِ ٵصبحَ حقيقةٌ. ذهبتُ إلــے المڪتب الجديد بسرعةٍ، دخلتُ من الباب الذي ڪان دائما يُخيفني،  و إذا هناك ٵربعة ٵشخاصٍ داخل المڪتب، ڪانوا مُتشابهي الملامح، و ڪانوا جميعهم يبتسمونَ لي.
سألتهم: عفواً.. لڪن مَن ٵنتم ؟ قالوا نحن ٵحلامك.
- قال الأولُ: ٵنا حِلمكَ لأن تُصبحَ مُديرا لهذه الشرڪةِ.
- قال الثاني: ٵنا حِلمكَ في ٵن تستبدلُ منزلكَ.
- قال الثالثُ: ٵنا حِلمكَ في ٵن تبتاعَ لنفسكَ سيارةٍ.
- و قال الأخيرُ: ٵنا حِلمكَ لأن يُصبحَ لديكَ رصيدٍ ڪبيرٍ من المالِ.
عندها تغيرَ السؤالُ في نفسيِ. فعندما ڪنتُ لا ٵملكَ سوَى حُلمٍ واحدٍ، ڪانت حياتي عسيرةٌ و مُتعِبةٌ. ٵما الأن، فقد ٵصبحَ عندي ٵربعةٌ !
ٵخبروني ٵرجوڪم.. ماذا ٵفعل بهم ؟

الجمعة، 28 أبريل 2006

﴿  ٥٠  

شوقاً إلــے ذلك الأملُ الخفي ٵحّيَا..
ٵملٌ هو ٵم خيالٌ ؟
ڪم من ليالٍ سهرتها حتى الصباح، علــے هذا الأمل.
وڪم من ٵيامٍ تحولت إلــے ليالٍ، من هذا الخيال.
تُرى هل يحدث في تلك الأيامِ المشتعلةِ، انفصامِ نيزكِ ثقيلٍ عن الشمس ؟
نيزكٌ مثل جزيرة النار، ينطلقَ نحو ديارنا..
يُحِيلنا إلــے غبارٌ؛ حاملاً برق الإنتقام ؟
موّتى نحن.. غرّقى في الدمِ
أطفالٌ نحن.. ٵدرڪنا زمن الشيخوخةِ
نحن ظِلالِ الليالي العتيقةِ المنڪسرةِ
نحن الفجرَ الڪاذبُ
نحن اللذين نضجنا في آتونِ الفتنةِ و النارِ
نحن ضحايا ٵحداثً لم نرَها
تُرى هل يحدث في تلك الأيام الباردة، ٵن يمُّوجَ البحرُ..
فنغرق في ٵمواجهِ الوحشيةٍ ؟
فنتغنى بأنشودةِ الفناء و نُخَبِّطُ بالأيدي و الأرْجُل خوفاً..
لِنَفُكَ ٵغلالِ الأَسْرِ عن ٵقدامنا ؟
طريقانِ هما الحياةِ و الموتِ.

الجمعة، 21 أبريل 2006

﴿  ٤٩  

التقيت به مرَّةٍ ٵُخرَى.. ڪان ٵشدَ نُحولاً من المرَّةِ السابقةٍ. وجههُ مُظلمٌ، ليس لأنَّ الشمس لوَّحتهُ، بَل لأنه يعڪِسُ ما في داخلهِ؛ شَعْرَةُ مُرتبٍ و مُسَرحٍ إلــے الجانبِ، عيناهُ غائرتانِ و مضطربتانِ و نظرتهُ مشتتةٌ و قاسيةٌ. ڪانت السماءَ مُلبدةٍ بالسحبِ، و الريحَ تهبُ بقوةِ، و المدخل مزدحماً و صاخباً بالضجيجِ، حيث تختلط ٵصوات الشباب و النساء بصراخِ الأطفال، و ٵصوات السيارات العابرة. رأيته يمشي وسط نهرٍ متدفقٍ من الأجسادِ، و سيجارةٌ لم تشتعل بعد تتدلى من زاويةِ فمهِ اليُسرى.
حَدَّقَ ڪُلٌّ منَّا في عينِ الأخرَ مُباشرةٌ. فَحيَاني برفعِ حاجبيهِ؛
ثم ٵختفى وسط دوامةِ الأجسادِ المُحتشدةِ.

الجمعة، 14 أبريل 2006

﴿  ٤٨  

رُبما بالخطأ وُّلدتُ
و رُبما بالخطأ نشأتُ
و رُبما بالخطأ ڪتبتُ
و مَن يدري..
فرُبما بالخطأ قد ٵموتُ.

الجمعة، 7 أبريل 2006

﴿  ٤٧  

ٵنا عارفه من زمان، و هو طول عمره راجل صريح وصادق و مش بيجامل حد علــے حساب الحق. قابلني.. سألته عامل إيه ؟ فقالي: عيبي إني مرايه، بتخَلي ڪل اللي يبُص فيها يشوف حقيقته. والناس، و للأسف يعني؛ مش بيحبوا صورتهم الحقيقية. عايزيني ٵڪون مِڪياج، مش مرايه. وٵنا مش ڪده؛ علشان ڪده ڪسروني؛ علشان ڪلمتهم بالصدق و الصراحة. شوهوا سُمعتي وشتموني وٵَديني ٵها مرايه مڪسره.
قولتله: ٵنتَ نفسيتك تعبت لما هاجموك ؟ و غيرت طريقتك معاهم ؟
بَصَّلي بَصَّه جامدة قوي و قالي: ٵنا النهارده شفت حاجة عجيبة قوي، واحد صاحبي عيان؛ عنده سخونية جامدة. و ٵهله عايزين حرارته تنزل، و يخف، بس مافيش فايدة. و لما عديت عليه النهارده.. وٵخوه ڪان عايز يطمن علــےٰ حرارته. فحط ميزان الحرارة في بُق ٵخوه العيان، بس لما قراه و لقي الحرارة مانزلتش ٵتغاظ قوي ومسك ميزان الحرارة و من غيظه ضربة في الحيط، معلهش. مسڪين ميزان الحرارة الصريح الصادق الأمين.
ذنبه ٵيه، ما هو زييّ، مرايه مڪسره.

السبت، 1 أبريل 2006

﴿  ٤٦  

يا إلهـــي.. إني لست إنساناً
ٵنا ثورٌ و علــے عيني عِصَابَةُ.
فأنا ٵخورُ ڪالثيرانِ،
و ٵمشي علــے ٵربعٍ،
و لي حوافرٌ،
فأنا آڪلُ التِبنِ،
و جِلدِي سميكٌ،
و إحساساتي بليدةٌ،
و لا ٵشعرُ بفارقٍ يُذڪرُ بين لذعِ ڪُرباجٍ وضَربِ عصاٍ.
ٵهتماماتي في الدُنيا قليلةٍ.
فأنا آڪلُ و ٵشربُ،
و ٵواقعُ الأُنثَى.. ٵيِّ ٵُنثَى،
و ذاڪِرتي لا يَعْلقُ بها شيئاً،
فأنا لا ٵذڪُرُ شڪلَ ٵولادي،
و ٵنا لا ٵحزنُ و لا ٵفرحُ،
و إنما أجوعُ و أشبعُ،
و بعد الشبعِ ٵنامُ،
و هو دائماً نومٌ عميقٌ،
لا ٵحداً منڪم جَربَ نومُ الثورِ،
لو جربتموه؛ لتمنيتم ٵن تڪونوا ثيراناً، ٵنه لشيءٌ فريدٌ.
إنَّ قلوبنا تَقْشعر حينما نتصورُ ذبحِ الثورِ،
ولڪنه ليس ٵمراً مؤلماً بالقدرِ الذي نتصوره،
إنَّ ٵلمَ الضرسِ ٵشدُ منهُ.

الثلاثاء، 28 مارس 2006

﴿  ٤٥  

ٵعيشُ حالةً من الخمولِ و السعادةِ و عدم المبالاةِ.

الثلاثاء، 21 مارس 2006

﴿  ٤٤  

يفتـحُ يدهُ و يرَى قوافلُ مُشاةٍ تعبرَ في عروقها، إلــے ٵين يذهبون ؟
 إلــے قلبهِ ؟ ٵم إلــے الجِدرانِ و الأبوابِ حين يلمُسها ؟
هل.. إذا لمسَ الأشياءَ غادرَ إليها الساڪنونَ في عروقهِ ؟
لا يعرِفُ.. و يُحارُ.. هل يلمُسَ الأشياءَ
ٵم يُبقي يدهُ في الفراغِ ؟

الثلاثاء، 14 مارس 2006

﴿  ٤٣  

رغمَ قناعتي بأنَّ الطريقَ الوحيدَ ٵمامَ المرأةِ لحلِ مُشڪلاتها ٵن تڪونَ الناطقةُ بلسانِ حالِـها. لذا سأفتحُ بابَ الحوارِ و لڪُم الحُرية:
عندما يضعُ الرَّجُلُ العربي ڪلمةَ «المَرْأةُ» في جمُلةٍ مُفيدةٍ، فهو يقعُ ٵسيرَ صراعٍ عنيفٍ.. فَفي العلنِ يقولُ إنَّها الجوهرةُ المصُونةُ المڪنونةُ، و في السرِ يُخفي احتقارهُ لها، و تعاليهِ عليها، و نظرتهُ المُزمنة إلــے ڪيانها ڪمواطنٍ من الدرجةِ الثانيةِ. و لا يوجدُ تِراثً ٵدبي في الڪونِ يحملُ ڪُلُّ هذه الڪميةِ من الغزلِ البريء و غير البريء في المرأة. و لڪنه في نفسِ الوقت هو غزلٍ جسديِّ لم يتطرقُ إلــے التغزلَ في العقلِ ٵو الفڪرِ ٵو السلوك. هذه الإزدواجية الذُّڪوريَّة هى التي جعلت من المرأةِ لوحةُ تَنْشينٍ سهلةٍ لرُصاصاتٍ الرَّجُلِ الطائشةِ، و صَنَعت منها تمثالاً محّشواً بالقشٍ، مثله مثل النماذجِ التي يتدربَ عليها لاعبو المُلاڪمةِ. فيُڪيلُ لها اللڪماتِ الماديةِ و المعنويةِ، ليُفرِغَ فيها ڪبتهُ المزمن و عُقدهُ المتضخمة و طاووسيته المتورمة، و تڪون النتيجة مُجرد عيشةٌ، و ليست حياةٌ. عيشةٌ فيها طرفٌ ضّد طرفٍ آخر و ليس طرفٌ مع طرفٍ آخر. عيشةٌ مثل لعبة «البَازِلْ» التي ضاعت منها قطعةٍ واحدةٍ، ولڪنها القطعة التي بدونها لن يڪتمل الشڪل ابداً. هذه القطعة هى التفاهم و التواصل الذي لا يُمڪن ٵن يحدث نتيجة إحساسِ الدونيةِ التي تعيشهُ المرأةٍ، و الذي يؤدي إلــے قَبولِ العُنفُ ضدها ڪأمرٌ واقِعٌ، و هو عُنفٌ ڪرستهُ للأسف الثقافةُ السائدة. لدرجة ٵنَّ ڪثيرٍ من النساءٍ لم يَعُدْنَّ يَرَينَّ فيه مشڪلةٌ، بل يعتبرونهُ حقاً إلهياً للرَّجُلَ.
و لابُد ٵن ٵذڪُرَ معنَى «العُنفِ» لتتضحَ الرؤيةُ:
«ٵيُّ فعلٍ عنيفٍ قائمٍ علــے ٵساسِ الجنسِ، ينجُمُ عنه ٵو يُحتملَ ٵن ينجُمُ عنه ٵذَى ٵو مُعاناةٍ جسديةٍ ٵو نفسيةٍ ‹بما في ذلك التهديدَ بـإقترافِ هذا العملَ›. ٵو الإڪراه ٵو الحرمان التعسُفي من الحرية، سواء وقعَ ذلك في الحياةِ العامةِ ٵو الخاصةِ». و هڪذا يتسع مفهوم العُنف ليشمل العُنف المنزلي و المؤسسي و الأجتماعي. و هو بذلك لا يعني فقط الإيذاء الجسدي و المعنوي المتمثل بالضربِ و القتلِ و الأغتصابِ، و ما تتعرضُ له المرأةِ من إهاناتٍ و إڪراهٍ و إذلالٍ و تهديدٍ و شتمٍ و حرمانٍ. بَل يُعني ٵيضاً ڪافةُ ٵشڪالِ السلوك الفردية و الأجتماعية، المباشرة و غير المباشرة التي تؤثر سلباً علــے المرأةِ جسدياً و نفسياً، و التي تُعرقِلُ تنمية شخصيتها و قُدراتها و مُواهبها و تَحُطُ من قُدرتها و ڪرامتها و تؤڪد تبعيتها، و تحرمها من ممارسة حقوقها، و تحجبها عن المشاركة الفعلية في التنميةِ الشاملةِ لأُسرتها و مُجتمعها و وطنها. و تشمل أشڪال التميز المؤدي إلــے العنفِ ٵشياءٌ ڪثيرةٌ مثل فُرصِ التعليمِ و العنايةِ الصحيةِ و الغذائيةِ و توزيع الأدوار داخل الأُسرة و منحُ الحُريات الشخصية و القوانين و التشريعات.
و العنف ضّدَ المرأةِ في مِصْر يتميز عن العنف في مناطقٍ ٵُخرى في العالم بميزةٍ فريدةٍ، و هى إنه يُمارسُ مُنذ الطفولةُ، و ٵحياناً قبلها، و هى مُجردُ جنينٍ في ٵحشاءِ الأُمِ. فثقافتنا السائدة في ڪثيرٍ من الأحيان مازالت تتوجسُ من ولادةِ الأُنثى. و من هنا نسألُ:
- هل المرأةِ مسلوبٌ حقُها ؟
- هل المرأةِ ڪائنٌ ناقصٌ بمفردها، لا يڪتملُ إلا بوجودِ الرَّجُلِ ؟
- هل المرأةِ تتمتعُ بڪافةِ الحقوقِ مثل الرَّجُلُ في مجتمعاتنا الشرقية ِ؟
- هل نظرةْ الرَّجُلُ للمرأةِ نظرةٍ جنسيةٍ فقط ؟

الثلاثاء، 7 مارس 2006

﴿  ٤٢    

الحُبُّ هو أن تشعرَ بأنك لستَ أنتَ، فأنتَ دائماً مَن تُحِبُّ.

الأربعاء، 1 مارس 2006

﴿  ٤١  

راح ٵخي يُملي علــےّٰ، مُستخدماً ٵفضلَ ٵساليبهِ الخِطابيةُ.
- قالَ: في البدايةِ، و بالضبطِ قبلَ خمسةَ عشرَ بليونَ سَنَةٍ و شهرينِ،
حدثَ انفجارٍ عظيمٍ و الڪونُ ڪ.. ..
و لڪنني توقفتُ عن الڪتابةِ قائلاً بارتيابٍ: «قبل خمسةَ عشرَ بليونَ سَنَةٍ» ؟
- قالَ: تماماً؛ لقد ٵُوحَيَٰ إلــےّٰ بذلك.
- قُلتُ:نني لا ٵشُّكُّ في الوحي الذي يأتيك «و هذا خيرٌ لي. فهو ٵصغرُ مني بثلاثِ سنواتٍ، و لڪنِي لا ٵُحاولُ الشَّكَّ في وحيهِ، و لا يستطيعَ ٵحداً غيري أن يفعلَ ذلك، و إلا فالويلُ له»
و ٵڪملتُ.. و لڪن هل ستقومَ بأملاءِ قصةِ الخليقةِ ڪاملةٍ عبرَ فترةِ خمسةَ عشرَ بليونَ سَنَةٍ ؟
فقالَ ٵخي: نعم؛ يتحتمُ علــےّٰ ذلك، فهذا هو الزمنُ الذي استغرقتهُ الخليقةُ. و ٵنا ٵحتفظُ بهِ ڪُلهُ هنا «و ضرب بيده علــے جبهته». و ڪُلُّ ذلك استناداً إلــے ٵعلىَ المراجعِ.
و عند ذاكَ ڪُنتُ قد وضعت قلمي المعدنيِّ جانباً قائلاً: و هل تعرفُ ثمنَ ورقَ البَرْدِيّ اللازمُ ؟
- مــاذا ؟
«قد يُوحِيّٰ إليهِ و لڪنني غالباً ما ڪُنتُ ٵُلاحظُ ٵنَّ الوحيُ لا يتضمنُ مسائلٌ تافهةٌ مثل ثمنَ ورقَ البَرْدِيّ».
- فقُلتُ: ٵفْترِضْ ٵنك تصفُ مليونَ سَنَةً من الحوادثِ في ڪُلِّ رُزمةٍ من ورقَ البَرْدِيّ؛ هذا يُعني ٵنَّ عليك ٵن تملأ خمسِ عشرةِ رُزمةٍ، و سيتحتمُ عليك ٵن تتڪلمَ وقتاً طويلاً لمِلَئِها، و تَعلمُ ٵنك ستتلعثمُ بعد مُدةٍ، و سيتحتمُ علــےّٰ ٵن ٵڪتبَ ما فيه الڪفايةِ لملءِ تلك الرُّزمِ، و ستتفسخُ ٵصابعي. و حتى لو ڪنتُ استطيعُ ٵن ٵدفعَ ثمنَ ڪُلَّ ورقَ البَرْدِيّ ذاكَ، و حتى لو بقيَّ صوتكَ صحيحاً و ٵصابعي قويةً، فمَن الذي سَيسّتنسِخُ ڪُلُّ ذلك ؟ علينا ٵن نحصلَ علــے ضمانٍ لتوفيرِ مائةِ نُسخةٍ، قبل ٵن نتمڪنَ من النَّشرِ. و بدونَ ذلك من ٵين نحصلُ علــے حقوقِ التأليف ؟
فأَطْرَقَ ٵخي هُنَيَّةٌ، و قالَ: هل تَرى ٵنني ينبغي ٵن ٵختصرُ ؟
- قُلتُ: ڪثيراً، إذا ٵردتَ له ٵن يصلَ إلــے الجمهورِ.
- قالَ: ماذا تقولُ بمائةِ عامٍ ؟
- قُلتُ: ماذا تقولُ بستَّةِ ٵيامٍ ؟
- قالَ مُرتعباً: إنني لا استطيعُ ٵن ٵضغطَ قصةِ الخليقةِ ڪلها بستَّةِ ٵيامٍ.
- قُلتُ: هذا جميعُ ما لدىّٰ من ورقَ البَرْدِيِّ. فماذا تقولَ ؟
- قال: «آه، حسناً».. و راحَ يُملي علــےّٰ مرَّةً ثانيةً.
«فِي الْـبَـدْءِ..» ــ  هل ينبغي ٵن تڪونَ ستَّةِ ٵيامٍ يا هارُون ؟
- قُلتُ بـإصرارٍ: «ستَّــةِ ٵيــامٍ، يا مُوسَـىٰ».

الاثنين، 27 فبراير 2006

﴿  ٤٠  

لڪي يعيشَ الإنسانِ وحيداً، عليهِ ٵن يڪونَ حيواناً ٵو إلهاً.
ٵو تَبْقَىَ حالةً ثالثةً، عليهِ ٵن يڪونَ الأثنينِ معاً.. «فيلسوفاً».
فعندما يعرفُ المرءُ «ما الغايةِ» من حياتهِ، فأنه يرتاحَ تقرِيباً.. لڪن «ڪيفَ»؛
إنَّ الإنسانِ لا يَصِلُّ إلــے السعادةِ، وحدهُ «العاقلُ» يفعلَ هذا.
«ماذا.. ؟» ٵتسعَى إلــے ٵن تتضاعفُ عشرِ مرَّاتٍ.. مائةِ مرَّةٍ.. ٵتبحثُ عن مؤيدين..
إذن.. فتِشُ عن «ٵصفارٍ».
«فالإشْبَاعِ و الغِنَى» يقِّـي حتى من الإصابةِ بالبردِ؛ هل سَبقَ لامرأةٍ مَڪسِوةٍ جيداً ٵن ٵصابها بردٍ ؟ و الناسِ تعتبرُ المرأةِ عميقةٍ.. لماذا ؟ لأنهم لا يلمسونَ العُمقَ لديها ٵبداً. المرأةُ ليست حتى مُسَطَحَةٌ. فعندما تڪونَ للمرأةِ فضائِلَ «ذُڪوريَّةً»، يجب تَجنُبها،
و عندما لا تڪونَ لها «فضائِلَ» ذُڪوريَّةً.. فهى تهرَبُ.
و الدُّودةُ التي ندوسها، تنطوي علــے نفسها، إنَّها الحڪمةِ عَينُها.
إنَّها بذلك تختزلُ إمڪانيات ٵن تَرىَ نفسُها مُداسهٌ مُجدداً،
يُسمى هذا في لُغةِ الأخلاقيين «تواضُعاً».
و هناك نَّوعٌ من ڪُرهِ الڪذبِ نابعٌ من معنى حادٍ للّْشَرفِ و التَّديُّنِ،
عندما يڪونَ الڪذبِ مُحَرماً بأمرٍ إلهي، غير ٵنَّ هذا النَّوعُ من الڪِذبِ ٵيضاً يمڪنَ ٵن يڪونَ بسببِ الجُبْنَ. «فمن فرطِ جُبْنَهِ لا يڪذِبُ».
فالخائبِ الظَّنُّ يتحدثُ: «ٵَبْحثُ عن رجالٍ عظامٍ».
و ما وجدتُ سوَىَ رجالٍ يُقلدونَ مثلهم الأعلَى.
فلقد ڪانوا بالنسبةِ لي عِبارةٌ عن ٵدراجٍ، استعملتهم ڪي ٵرتقي.
ڪان لِزاماً علــےّٰ من ٵجلِ هذا ٵن ٵعبُرَ فوقهم، ٵن ٵتجاوزهم،
غير ٵنهم ڪانوا يظنُّونَ ٵنني سأستريحُ فوقهم.
هذا ٵنا «الـعـقـلُ».
فغيرُ مُهمٍ ٵن ينتهي الأمرُ بالناسِ إلــے تصويبي، فأنا علــے صوابٍ قليلاً،
«و الذي يضحكُ اليومَ جيداً، سيڪونَ ٵخِرُ مَن يضحكُ».

الثلاثاء، 21 فبراير 2006

﴿  ٣٩  

لمَّا ضاقَ العبدَ بقيدهِ، ثار علــے سيدهِ المُتجبرِ، مُنتزعاً سَوطهِ من يدهِ،
فتَولى السيدُ مذعوراً، حتى ابتلعتهُ عاصفةٌ هوجاءٌ. 
لڪِنَّ العبدَ رأَى حُريتهُ في ٵن يجلدَ نفسهِ؛
فهَوَى بالسَوطِ علــے جسدهِ حتى يتخلصُ من قيدهِ و يڪونَ السيدُ

الثلاثاء، 14 فبراير 2006

﴿ ٣٨

قالَ:
سأُعيدُ ترڪيبَ حياتي..
خلعَ يداً و وضعَ مڪانها زهرةً
خلعَ عيناً و وضعَ مڪانها ثمرةً
خلع قدماً و وضعَ مڪانها شجرةً
خلعَ فماً،ٵُذُناً، قلباً، رئةً.. و مشى في حديقتهِ الجديدةٍ؛
يبحثُ عن نفسهِ.. و لا يجدها.

الثلاثاء، 7 فبراير 2006

﴿  ٣٧  

ٵحياناً نُعاقبُ علــے ٵخطأٌ لم نفعلها، و ربما ذلك بسببِ ٵخطأٌ ٵُخرَى فعلناها و لم نُعاقبُ عليها، فلا يَقُل ٵحداً في حالة العقوبة، إنَّ ظُلماً قد وقعَ عليهِ. فمَن يدري؛
ربما تڪونُ عقوبةٌ بديلةٌ.

الأربعاء، 1 فبراير 2006

﴿  ٣٦  

ٵيُها الإنسان، ٵنتَ ٵڪبرُ و ٵعظمُ و ٵروعُ مما تتصوَّرُ، و لڪنك لا تَدري.
فلا عندك وقتٌ، و لا عندك صبرٌ، و لا لك رغبةٌ.
فأنتَ ضحية دُنياك الضَّيقةِ.

السبت، 28 يناير 2006

﴿  ٣٥  

ملايينْ من الناسِ ليس عندهم استعدادٍ لأن يموتوا في سبيل الحُبِّ،
و إن ڪانت ملايينً ٵُخرَى قد ماتت لأنَّها لم تجد الحُبَّ،
فما الذي يجده الناس في الحُبِّ.
ٵنهم يجدون لذةً؛
إذا ٵعطيتها إصبعك، سحبت يدك.
و إذا ٵسلمتها يدك، شدَّت ذراعك.
و إذا ترڪت لها ذراعك، استولت عليك، و استدرجتك إلــے حالةٍ؛
لا هى سعادةٍ، و لا هى تعاسةٍ.
لا هى حياةٍ، و لا هى موتٍ.
و لڪنها حالةٌ يهون معها ڪل ٵنواع العذاب.
هذا هو الحُبُّ؛ فهل هو شيّءٍ ضروريّ لأحدٍ ؟

السبت، 21 يناير 2006

السبت، 14 يناير 2006

﴿  ٣٣  

الألمُ ٵقوَى و ٵعمقَ من البهجةِ و ٵڪثرُ صِدقاً،
و فيهِ يقفُ الإنسانَ ٵمامَ حقيقةَ الحياةِ، و ٵمامَ حقيقةِ نفسهِ،
و يُدركُ ٵنَّ ڪُلَّ مباهجِ الدُنيا ضئيلةٌ و تافهةٌ.

السبت، 7 يناير 2006

﴿  ٣٢

لماذا ٵڪتبُ هذه الڪلماتِ ؟
ٵتُراني ٵطمعُ في ٵن ٵجدَ حلاً لنفسي، لا ٵظُنُّ.. فلا حلٍّ هناك.
ٵتُراني ضِقتُ ذِرْعاً بصمتي الطويلَ، فأردتُ ٵن ٵُخفِّفُ عن نفسي بالڪلامِ.. رُبما. شابٌ في الرابعةِ و العشرينَ.. في تلك السِّنَّ المُفرحةُ التي يقولَ فيها الشَّابُ لقد ٵحببَّتَ.. سِّنَّ العملِ و الحُبِّ و المخاطرةِ، سِّنَّ النضجِ و الإقبالِ علــے الحياةِ بملءِ القلبِ..
ٵما عندي فهى سِّنَّ الانڪسارِ، سِّنَّ اليأسِ؛ السِّنَّ التي ٵُغلقت فيها ڪلِّ الأبوابِ و ڪُلِّ المنافذِ. و لأَبدأَ من البدايةِ:
البدايةُ المشرقةُ.. و ٵنا في المدرسةِ الأبتدائيةِ، آخُذَ الجوائزَ الأُوْلى في الرِّياضَةِ و ٵنجحُ ڪُلِّ سَنَةٍ بتفوقٍ. ينظرَ إلــےّٰ زُملائي في حسدٍ، و ٵنظرُ ٵنا إلــے نفسي في زهوٍ
و افتخارٍ. و في المدرسةِ الثَّانويةِ، و ٵنا ٵقفزُ من سَنَةٍ إلى سَنَةٍ و ٵتصدَّرُ الفصولِ، ثم إلــے الجامعةِ التي ٵتفوقُ فيها بجدارةٍ لأڪونَ الأُولَ علــے دُفعَتي. إذن.. سوف ٵُخطّطُّ
و ٵعملُ لمستقبلي ڪما ٵشاءُ. و لڪِنَّ القَدرُ ڪانَ قد خطّطَ لي بالفعلِ و ٵختارَ لي مَصْيري، و ڪتبَ قسمتي؛ دونَ ٵن ينتظرُ إمضائي..
مرضٌ بطيءٌ خبيثٌ راحَ يزحفُ علــے ڪياني ڪلهُ، في بُطءٍ و لڪن في إصرارٍ، يتفاقمُ يوماً بعد يوم، و يسيرُ من سيّءٍ إلــے ٵسوأ، برغمِ طِبِّ الأطبِّاءُ من ڪًلَّ لونٍ. ضعفٌ خبيثٌ يَلـمُّ بالعضلاتِ «عضلاتِ الحرڪةِ». يبدأُ خفيفاً بسيطاً، ثم يتفاقمُ. ٵصحو في الصباحِ، فما ٵڪادَ ٵغسلَ وجهي و ٵلبسَ ثيابي حتى ٵشعرُ ٵني قُمتُ بمجهودٍ عنيفٍ، و إنَّ عضلاتي بدٵت تتخاذلُ؛ فأتحاملَ علــے نفسي و ٵنزلَ السُّلِّم، فأشعرُ ٵني ٵجُرَّ نفسي جَرّاً، و ما يڪادَ النهارَ ينتهي حتى ٵرتمي في فراشي و ڪأنني ڪنتُ ٵجري طوالَ اليوم؛ رغمَ ٵني لم ٵقُم بأيّ مجهودٍ يُذڪرُ.
و يوماً بعد يوم تتفاقمُ الحالةُ. فأشعرَ بأني في حاجةٍ إلــے مَن يُعاونني في مأْڪلي
و ملبسي، ثم ٵشعرُ ٵني بحاجةٍ إلــے سيارةٍ في مشوارٍ لا يزيد عن بضعِ عشراتِ الأمتارِ. فعضلاتي لا تقوَى علــے حمَلي، و ساقاي تخذُلاني فتتهاويانِ تَحتي. فأشعرُ ٵني في حاجةٍ لرفيقٍ ٵستندُ عليهِ، و لڪني لا ٵڪادَ ٵتشبَّثُ بهذا الرفيقِ حتى تَڪِلَّ ذراعاي، و ينخلعَ ڪَتفي، ثم ٵتهاوى مثل مجموعةٌ من القشِّ و ڪأني فقدتُ ٵطرافي تماماً.
ثم يتفاقمُ الأمرَ و يستلمني العجزَ من الصباحِ، فلا ٵعودُ قادراً علــے مُبارحةِ الفراش؛
و يزدادَ الأمرُ سُوءاً، فلا ٵعودُ استطيعَ ٵن ٵجذبَ الغِطاءُ علــے جسدي في ليلةٍ باردةٍ، فأظلُّ ٵرتجفُ و ٵهلُ البيتُ ڪلهُ ساڪنينَ و نائمينَ، إلا ٵنا.
لا ٵملِكُ سِوَى إنتظارُ الصباحِ، ٵو إنتظارُ معجزةٍ، ٵن يصحو ٵحدهم و يدخل علــےّٰ بالمصادفةِ فيجذبَ الغطاءُ علــے جسدي ٵو يغلقُ النافذةِ. و ٵنا ٵخجلُ ٵن ٵوقظهم بصياحي، فهُم يقضونَ النهارَ في خدمتي. و ماذا في وسعهم ٵڪثرَ من ذلك ؟ و لقد اڪتشفت حقيقةً هامةً خلالَ ٵلمَيِ: ٵنَّ الإنسانَ ثقيلٌ، و هو يُصبحُ ثقيلاً جداً حينما يمرضُ و يفقدَ القُدرةِ علــے خدمةِ نفسهِ؛ الإنسانَ السليمُ قد يتحمسُ مرَّةٍ للمساعدة، و قد يُشفقُ مراتٍ، و قد يعطفُ يوماً بعد يوم، و شهراً بعد شهر، و لڪن عواطفهُ سوف تتعبُ، و صَبرهِ سوف ينفذُ. و خاصةً حينما يشعرُ ٵنه لا ٵملً و لا فائدةً و لا نهايةً.
و حينئذٍ الويلُ للمريضِ من السليمِ؛ ٵنه سيتحولُ بالنسبةِ له إلــے رفيقٍ ڪئيبٍ
و ضيفٍ ثقيلٍ و حملٍ ڪريهٍ، بل و إلــے ڪابوسٍ..
«ٵنا ٵحڪي عن عذابِ الناسِ حولي». ٵما عذابي ٵنا فيمُڪنُ ٵن تتخيلهُ..
شابٌ في الحلقةِ الثانيةِ من حياتهِ ينحدرُ ببطءٍ و بـإستمرارٍ إلــے هِوةٍ سحيقةٍ من العجزِ،
و يظلُّ يتدهورُ شيئاً فشيئاً حتى يرتمي في فراشةِ، لا يُبرحهُ، و لا يستطيعَ حتى ٵن يُغيرَ الجنبَ الذي ينامَ عليهِ، و الأطبَّاءَ يدخلونَ و يخرجونَ و يضعونَ السماعاتِ، و يطرقونَ عظامي و عضلاتي بمطارقهم، و يُقَلِّبُونَنِي علــے ڪُلِّ جنبٍ. ثم يتجهمونَ و يقولونَ في نبراتٍ مُثقلةٍ: «ٵنه ليس شللاً».. ليس شللاً.. ؟!
الحمدُ للهِ؛ ٵقولُ ٵنا في نفسي؛ و لڪنهم يتجهمونَ. فالشَّللَ يُشفى، و هناك ٵلفَ طريقةٍ و طريقةٍ لعلاجِ الشَّللَ، و ما ٵُعاني منه ليس شللاً.
يقولونَ إنَّ ٵسمهُ: «ٵنه مِيُوبَاثِي».. مِيُوبَاثِي.. ؟!
نعم، مِيُوباثِى.. ٵنه حالةٌ غامضةٌ تضمُّر فيها العضلات، و تفقدُ القدرةِ علــے ٵداءِ وظائفها لسببٍ غير معروفٍ. حالةٌ لا علاجَ فيها و لا ٵملٌ لها، و المستقبلُ فيها ٵن تتدهورَ ٵڪثرٍ و ٵڪثر. و لا تتوقف إلا بالموتِ بعد عُمرٍ طويلٍ ٵو عذابٍ طويلٍ علــے الأصحِ.  إذن لابُد ٵن ٵُعدَ نفسي لمواجهةِ المستحيلِ، و لقبولِ حياةٍ ڪالموتِ.
ٵُحاولُ ٵن ٵخلقَ لنفسي عالماً خاصاً ٵبنيهِ بخيالي من الڪُتُبِ و الرواياتِ التي ٵقرؤها. ڪُلَّ ٵنواعِ الڪُتُبِ؛ المُـتَّرجمةِ و المُؤلَّفةِ، الحديثةِ و القديمةِ، الرواياتِ
و البحوثِ، القصصِ و الدراساتِ. ٵقرأُ و ٵقرأ لأقتلَ الوقتَ قبلَ ٵن يقتلني..
ٵقرأُ لأنسى نفسي في خيالاتِ الأخرينَ. حيلةٌ العاجزِ لمحاربةِ الضَّجَرِ و مغالبة الألام..
ثم لا شيّءٌ ٵڪثر.. الوقتُ يمضي..
شڪراً للمؤلفين.. يشغلونني عن نفسي بخيالاتهم.
إنَّها ابنة عمِّـي، التي ڪُنتُ ٵُبادلها و ٵنا طالبٌ نظراتِ الإعجابِ و الحُبِّ، و ڪانت هى تُبادلني العَشَمَ، ظَّلت تنتظرُ سَنَةً بعد سَنَةً، و لڪنَ العواطفَ تتعبُ، فهـى تذبلُ ڪما تذبلُ ٵوراقَ الشجرِ حينما لا يرويها الأملُ، فهـى تَجفُّ و تسقطُ ڪما تسقطُ ٵوراقَ الخريفِ. و ابنة عمِّـي تتزوج، و هذا ٵمرٌ طبيعيِّ بالنسبةِ لها. و لڪن بالنسبةِ لي؛ قطعةٌ ٵُخرى من حياتي تؤخذُ مِنّي، ڪذراعي و ساقي التي لم ٵَعُدُ ٵملِڪهُما. لستُ ٵنانياً لأتصورَ إنَّها يمڪنُ ٵن تنتظرَ و ڪيف تنتظرَ و تنتظرُ مَنْ ؟
و لستُ غبياً لأُطالبها بالوفاءِ لعهدٍ لا وجودَ له و لرَجُلٍ لا وجودَ له. و لڪن ٵنا بشرٌ.. نعم ٵنا بشرٌ، و اللهُ وحده يَعلَمُ ڪم ٵشعُر و ڪم ٵتألمُ.
سؤالٌ واحدٌ يُحيرني.ٵسأله لنفسي ڪلَّ يومٍ ٵلفَ مرَّةٍ. حتى لِيَڪادَ عقلي ينفجرُ: لماذا ٵختارني اللهُ لهذه المَحرَقَةُ التي قيدني بها ليلاً و نهاراً ؟ لماذا ٵختارني ٵنا بالذاتِ دونَ بقيةَ الناسِ ؟ هل تُراني اقترفتُ ذنباً.. ؟ لا ٵظُنُ، فقد ڪنتُ و مازلتُ مُتديِّناً شديدَ التَّمسُّكِ بالإيمان، ٵتقي اللهُ وٵُصلي و ٵصوم و .. !
لماذا لا يرحمني اللهُ ؟ ٵنا ٵصرخُ و هو يَسمَعُني. و لڪني مازلت ٵتلوَى علــے المَحرَقَة، و حالي يتدهورُ يوماً بعد يومٍ و ساعةً بعد ساعةٍ. و اليقينُ الوحيدُ الذي ٵعيشُ فيهِ، هو يقينَ العذابِ. و العذابِ ٵڪثرٍ و ٵڪثر.
و لطالما سألت نفسي: الأرضُ غارقةٌ في المظالمِ، سابحةٌ في الدمِ مُنذُ ٵن بدأَ تاريخُها،
و ٵنا ٵرَى بشاعةِ الألامِ علــے ٵَسِرَةِ المرضَى و المُحتضرين.
ٵقفُ مشدوهاً ٵمامَ طفلٌ مشلولٌ يبڪي. يا إلهي، ماذا فعل هذا الطفلُ ٵيضاً ليتألمَ ؟ و ٵنا ٵرَى الأوبئةُ تحصدُ ڪُلَّ شيّءٍ، حتى الأجِنَةِ في بطُّونِ الأُمهاتِ.
و ٵنا ٵبحثُ عن الرحمةِ و لا ٵجدُها.
سألتُ نفسي سؤالينِ: «هل اللهُ موجودٌ ؟ ٵم.. ٵنه تركَ العالمُ ؟»